الجصاص

425

أحكام القرآن

ونحوهما كما يستر صدره ، وإن كان متى ظهر كان مواجها لمن يقابله . وهذا الذي ذكرنا من معنى الوجه يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين بالآية ، إذ ليس داخل الأنف والفم من الوجه ، إذ هما غير مواجهين لمن قابلهما . وإذا لم تقتض الآية إيجاب غسلهما وإنما اقتضت غسل ما واجهنا وقابلنا منه فمن قال بإيجاب المضمضة والاستنشاق فهو زائد في حكم الفرض ما ليس منه ، وهذا غير جائز لأنه يوجب نسخه . فإن قيل : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما " وقوله صلى الله عليه وسلم حين توضأ مرة مرة : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " يوجب فرض المضمضة والاستنشاق . قيل له : أما الحديث الذي فيه أنه توضأ مرة مرة ثم قال : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " ، فإنه لم يذكر فيه أنه تمضمض فيه واستنشق ، وإنما ذكر فيه الوضوء فحسب ، والوضوء هو غسل الأعضاء المذكورة في كتاب الله تعالى ، وجائز أن لا يكون تمضمض واستنشق في ذلك الوضوء لأنه قصد به توقيفهم على المفروض الذي لا يجزي غيره ، فإذا لا دلالة في هذا الخبر على ما قال هذا القائل ، ولو ثبت أنه تمضمض واستنشق لم يجز أن يراد في حكم الآية . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما " لا يجوز الاعتراض به على الآية في إثبات الزيادة ، لأنه غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الواحد . وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن بن العلاء قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء قال : حدثنا ابن جريج عن عطاء قال : سئلت عائشة عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ماء فتوضأ وكفا على يديه مرة وغسل وجهه مرة وغسل ذراعيه مرة ومسح برأسه مرة وغسل قدميه مرة ، وقال : " هذا الوضوء الذي افترض الله علينا " ، ثم أعاد ذلك فقال : " من ضاعف ضاعف الله له " ، ثم أعاد الثالثة فقال : " هذا وضوؤنا معشر الأنبياء ، فمن زاد فقد أساء " . فأخبرت بوضوئه من غير مضمضة ولا استنشاق ، لأنه قصد بيان المفروض منه ، ولو كان فرضا فيه لفعله . باب غسل اللحية وتخليلها قال الله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) وقد بينا أن الوجه ما واجهك من الانسان ، فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة في الأكثر كسائر الوجه ، وقد يقال أيضا : خرج وجهه ، إذا خرجت لحيته ، فليس يمتنع أن تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها ، ويحتمل أن يقال : ليست من الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه بعد ما كانت البشرة ظاهرة دونه .